كتب الصحفي اللبناني وعضو البرلمان السابق ناصر قندي على منصة إكس:
فتح رئيسا الجمهورية والحكومة النار على المقاومة باعتبارها ورقة تفاوضية ايرانية، وأنّها تحول لبنان إلى ورقة تفاوض تعزز موقع إيران، وتحدثا عن اعتبار المساندة الإيرانية للمقاومة ولبنان مجرد استخدام للمقاومة ولبنان في التفاوض، والفكرة ليست جديدة وقد رافقت مسيرة المقاومة منذ زمن طويل، حتى عندما كانت الأرض التي تتحرر هي أرض لبنانية عام 2000 كان هناك من يقول عشية التحرير أنّ المقاومة ليست لتحرير الأرض اللبنانية بل لتحسين وضع سورية في التفاوض على الجولان، ووضع إيران في التفاوض على العقوبات ولم يكن الملف النووي مطروحا بعد، وإذا أردنا ان نعود إلى المشهد الحالي فإنّ أمامنا واقعتين تربطان المواجهة بين المقاومة والاحتلال بالتفاوض الأميركي الإيراني، فلنقم اذن بفحص هاتين الواقعتين ويتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

في المرة الأولى كان رئيس الجمهورية العماد جوزف عون و قد مضى شهر على إطلاق مبادرته المشروطة بانسحاب الاحتلال ووقف إطلاق النار للتفاوض المباشر، عندما انتبه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في 9 أفريل/نيسان أنّ الرئيس اللبناني قد أطلق مبادرته في 9 مارس/آذار، وقرّر قبول المبادرة بعد شهر من التجاهل الأميركي الإسرائيلي للمبادرة، والسؤال لماذا، والجواب لأنه في السابع من أفريل/نيسان بدأ التفاوض على وقف اطلاق النار بين أميركا وإيران، الذي أعلن في 8 أفريل/نيسان و أصرّت إيران على أن يشمل لبنان، وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه أبلغ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بأن عليه ايقاف اطلاق النار في لبنان، وتتسارع ترتيبات التفاوض اللبناني الإسرائيلي في واشنطن، وتنعقد الجلسة الأولى في 16 نيسان، كتعبير لا يحتاج إلى التحليل، عن النية الأميركية الاسرائيلية لتحييد أي التزام اسرائيلي بوقف النار في لبنان عن الضغط الإيراني الثابت لرفض أي اتفاق مع أميركا لا يتضمن وقف الحرب على لبنان، في وقت تحتاج فيه اميركا الى تسريع هذا الاتفاق، وبينما لا حاجة لإثبات الاستخدام التفاوضي للبنان كورقة من الجانب الأميركي الإسرائيلي، للاستفراد بلبنان بشروط اي اتفاق لوقف النار ليضمن المصالح الإسرائيلية، كان طرح إيران لوقف النار في لبنان نوع من أنواع توزيع الأرباح على أطراف محور المقاومة لعائدات ايران من الصمود في الحرب.
جاءت تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة في لبنان التي تتحدث عن التمسك بفك المسار اللبناني عن مسار التفاوض الأميركي الايراني تحت عنوان مفتعل، سمي برفض أن يفاوض أحد عن لبنان، ولم يكن التفاوض مطروحا، وقد اكد المسؤولون الايرانيون علنا أن طلبهم لشمول لبنان بوقف النار لا يلغي حقوق لبنان بأن يفعل ما يشاء بعد ذلك، يفاوض أو لا يفاوض، ولكن يكون في وضع أقوى وقد استفاد من عائدات الصمود الإيراني بشموله بوقف النار، بينما تحول الخطاب الرسمي اللبناني إلى الحديث عن استعادة قرار التفاوض على طريقة استعادة قرار الحرب والسلم، الذي يعرف اللبنانيون من يومياتهم أن من يملكه هو إسرائيل، وليس الدولة اللبنانية ولا المقاومة، والمستفيد الوحيد من هذه المحاولات هو اسرائيل لترتاح من الضغط الأميركي الناتج عن الحاجة لوقف النار مع ايران ولو تضمن شمول لبنان و لو الحق الضرر بالرؤية الإسرائيلية، وليس خافيا ان تل ابيب التي تذكرت دعوة التفاوض اللبنانية فجأة، وجدت خشبة الخلاص في هذا المسعى التفاوضي للتملص من وقف النار في لبنان،والقول إنّ هناك مسار تفاوضي لبنان إسرائيلي جار، وفيه يقرر وقف النار ولا حاجة لتضمين الاتفاق الاميركي الايراني بندا يضمن شمول لبنان يوقف النار، ولذلك جاءت النتيجة وقف مبتور لاطلاق النار، شمل بيروت والضاحية الجنوبية ولم يشمل الجنوب، بفعل الاستقواء الاسرئيلي بموقف السلطة، والقول ان المسار اللبناني الاسرائيلي يخص لبنان واسرائيل.
برزت ثمار التفاوض الجاري تحت شعار استرداد قرار التفاوض، في جلسات سميت تمهيدية وانكشف حجم المصالح الاسرائيلية المحققة فيها، بما يؤكد أنّ لبنان تحول إلى ورقة تفاوضية إسرائيلية لتفادي الأثمان التي قد تترتب على شمول لبنان بوقف النار، عبر مسار التفاوض الأميركي الإيراني، وبعدما جرت الجلسات بما في ذلك الأخيرة وإطلاق النار مستمر وسقطت الشروط اللبنانية تباعا، من الانسحاب الى وقف النار، تضمن البيان الأميركي بالنيابة عن الطرفين اللبناني والاسرائيلي في كل جلسة مكاسب اسرائيلية جديدة، تؤكد أن السلطة منحت لبنان ورقة تفاوضية لإسرائيل وعبرها لأميركا في مسار التفاوض الأميركي الإيراني، عبر إعلان بعد الجلسة الأولى عن اعلان انهاء حال العداء والاعتراف المتبادل بين لبنان واسرائيل، الى إعلان ثان يمنح إسرائيل وحدها حق الدفاع بما في ذلك حرية الحركة والاعتداء تحت عنوان مواجهة هجوم محتمل، وبينما جاءت الجلسة الثالثة بفشل إسرائيلي لأنّ المعني كان هو الجيش وليس السلطة، لتتوج الجلسة الرابعة مسار الاستثمار الاسرائيلي التفاوضي للورقة اللبنانية باتفاق لوقف النار من طرف واحد ينطبق على المقاومة وحدها، لتستمر الحرب من طرف واحد مقابل، وهي الحرب التي لم تتوقف منذ اتفاق 27-11-2024 كما كان يصفها رئيس الحكومة قبل نظرية اتفاق الفرصة الأخيرة بقوله نعيش حربا من طرف واحد.
في المرة الثانية وبينما المفاوضات تدور حول مذكرة تفاهم تؤسس لاتفاق دائم بين واشنطن وطهران، وبعدما أعلن الرئيس الأميركي أن التفاهم بالصيغة التي وصلته يحتاج الى اللمسات الأخيرة لتوقيعه في اليوم التالي، ظهرت الاعتراضات الإسرائيلية على تضمنه وقف الحرب في لبنان بما في ذلك إنهاء كل الأعمال العدائية ومنها الاحتلال، وظهرت الحاجة لتسريع التوصل الى اتفاق مع لبنان يحقق المصالح الإسرائيلية ويتيح القول أن الأمر انتهى بين الحكومتين ، ولا مبرر للتدخل في الاتفاق بينهما، وطالما أنّ لبنان الرسمي قبل اتفاقا مع حكومة الاحتلال تحت عنوان وقف إطلاق النار فلماذا شمول وقف الحرب على لبنان في الاتفاق الأميركي الإسرائيلي، ولو كان القبول بشمول لبنان بالاتفاق الأميركي الإيراني مصلحة اسرائيلية او اميركية لما كان هذا الاتفاق على عجل، بين لبنان وكيان الاحتلال برعاية اميركية، خصوصا انه اتفاق لن ينفذ، وهو اتفاق بين ثلاثة أطراف يعلنون العداء للمقاومة لكنهم يرهنون تنفيذ الاتفاق الذي توصلوا إليه بقبولها، وسبب العجلة هو ان لبنان مجرد ورقة تفاوضية إسرائيلية وأمريكية قدمته السلطة اللبنانية طلبا للرضا الأميركي، لتسهيل الوضع الأميركي التفاوضي مع إيران، وسبب العجلة الآخر هو منح الشرعية للاحتلال الإسرائيلي ومواصلة العدوان الاسرائيلي على لبنان بعدما صار كل شيء مشروط بالتزام المقاومة بوقف النار من طرف واحد لتستمر اسرائيل بالحرب من طرف واحد.
يبدو أنّ خشية الرئيسين من كشف وضعهما للوطن كورقة تفاوضية في خدمة أميركا وإسرائيل، دفعتهما لشن هجوم يتهم المقاومة بجعل لبنان ورقة تفاوضية لحساب إيران، تحت شعار أن أفضل وسائل الدفاع هو الهجوم.
ناصر قنديل، صحفي لبناني، وعضو برلمان سابق

