الأحد، 29 مارس 2026

هل يمنح التقاعد المبكر حرية للمرأة العاملة… أم يكرّس هشاشتها الاقتصادي مميز

29 مارس 2026 -- 13:42:41 32
  نشر في وطنية

الميثاق/تونس

 

عند بلوغها سن الخمسين، تجد “أمينة” نفسها أمام خيار يبدو للوهلة الأولى مريحًا: التقاعد المبكر. سنوات من العمل في القطاع الخاص، تعب متراكم، وضغوط يومية تجعل الفكرة مغرية. لكن خلف هذا القرار، سؤال أكثر تعقيدًا يفرض نفسه: هل يمثل التقاعد المبكر فرصة للراحة… أم بداية لهشاشة اقتصادية طويلة؟



تكشف الأرقام الرسمية أن موقع المرأة في سوق الشغل ما يزال هشًا. فحسب معطيات حديثة، لا تمثل النساء سوى حوالي 32.6% من مجموع المشتغلين مقابل 67.4% للرجال ، بينما تشير بيانات أخرى إلى أن نسبة مشاركتهن لا تتجاوز 28% في بعض الفترات . ولا يتوقف الأمر عند ضعف الحضور فقط، بل يتعداه إلى انسحاب مبكر من سوق العمل، حيث يبدأ تراجع نشاط النساء بوضوح بين سن 40 و45 سنة، خلافًا للرجال الذين يواصلون العمل إلى حدود سن التقاعد . هذا المعطى أساسي لفهم أي نقاش حول التقاعد المبكر: فالعديد من النساء يغادرن سوق الشغل فعليًا قبل بلوغ السن القانونية، لكن دون حماية اجتماعية كافية. بطالة أعلى… ومسار مهني أكثر هشاشة تتعمق الفجوة أكثر عند النظر إلى البطالة. في سنة 2024، بلغت نسبة البطالة لدى النساء الحاصلات على شهادات عليا 31.6% مقابل 17% لدى الرجال ، واستمرت هذه الفجوة في 2025 حيث وصلت إلى 30.5% لدى النساء مقابل 11.7% لدى الرجال . 

 

هذه الأرقام تعني ببساطة أن: النساء يدخلن سوق الشغل بصعوبة أكبر ويغادرنه بسرعة أكبر ويقضين سنوات أقل في المساهمة في أنظمة التقاعد نظام التقاعد: شروط صارمة وواقع غير متكافئ حاليًا، يسمح نظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالتقاعد المبكر للمرأة في حالات محددة، من بينها شرط بلوغ 50 سنة و180 شهرًا من الاشتراكات . لكن هذه الشروط تطرح إشكالًا: العديد من النساء لا يستكملن سنوات الاشتراك المطلوبة بسبب الانقطاع عن العمل أو التشغيل الهش في المقابل، تشير التقديرات إلى أن عدد المتقاعدين في تونس تجاوز 1.2 إلى 1.3 مليون شخص ، وهو ما يعكس ضغطًا متزايدًا على منظومة التقاعد.

 

فيديو لنائبة رئيس مجلس النواب، سيرين مرابط

 

ماذا سيغيّر المقترح الجديد؟

 

 المقترح المطروح اليوم يهدف إلى: تمكين المرأة من التقاعد بداية من 50 سنة دون شرط عدد الأبناء وبطلب شخصي ظاهريًا، يبدو هذا التوجه استجابة لواقع اجتماعي: نساء يعملن في ظروف صعبة، ويجدن أنفسهن مجبرات على الاستمرار رغم الإرهاق. لكن عند ربطه بالأرقام، تظهر مفارقة واضحة: 

? النساء يشتغلن أقل 

? يساهمن لفترة أقصر 

 

? ويتقاضين غالبًا أجورًا أقل → وبالتالي، فإن التقاعد المبكر قد يعني جرايات أضعف بشكل أكبر.

 

 

 

بين الحماية والحرية: أي خيار للنساء؟



 وفق معطيات المعهد الوطني للإحصاء، تمثل النساء 50.7% من السكان ، لكن هذا الحضور الديمغرافي لا ينعكس بنفس القوة اقتصاديًا. هنا يطرح السؤال الجوهري: هل يمنح التقاعد المبكر حرية حقيقية للمرأة، أم أنه قد يتحول إلى آلية “انسحاب ناعم” من سوق الشغل؟

 الناشطات في مجال الحقوق يرون أن الخطر لا يكمن في مبدأ التقاعد المبكر، بل في: غياب ضمان جراية كافية استمرار الفجوة في الأجور ضعف الحماية الاجتماعية.

 

وقد أعلنت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات رفضها القاطع لمشروع القانون، معتبرة أنه "يخرق مبدأ المساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص"، ويدفع النساء إلى الخروج المبكر من سوق الشغل بما يقيد مساراتهن المهنية ويحرمهن من فرص التدرج الوظيفي والترقيات والتكوين المستمر والمشاركة في مواقع القرار.

كما حذّرت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات من أن المشروع، وإن قُدم في إطار حذف شرط الأمومة الذي كان يفرض أن تكون المرأة أمًا لثلاثة أبناء للتمتع بالتقاعد المبكر، إلا أنه "يخفي تمييزا أعمق" يتمثل في استهداف النساء دون الرجال بآلية من شأنها إنهاء مسارهن المهني مبكرا وإقصاؤهن من الدورة الاقتصادية. وأكدت الجمعية أن الإجراء المقترح قد يؤدي عمليا إلى تقاضي النساء جرايات تقاعدية منخفضة قد لا تتجاوز نصف الأجر الشهري، مما يفاقم هشاشة أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية.

 

ودعت الجمعية إلى سحب المشروع وفتح نقاش وطني شامل يضم الأطراف الاجتماعية والمجتمع المدني ومؤسسات الدولة من أجل إصلاح منظومة التقاعد والضمان الاجتماعي على أسس عادلة وشاملة وغير تمييزية تراعي مبدأ المساواة بين النساء والرجال في الحقوق والواجبات سواء أثناء المسار المهني أو عند التقاعد والكف عن توظيف النساء ومساراتهن المهنية كورقة في حسابات سياسية واقتصادية خارج أي رؤية إستراتيجية.

 

مبررات أصحاب المبادرة



وفق وثيقة شرح الأسباب المرافقة للمبادرة التشريعية، يندرج المقترح في إطار "تعزيز ما هو متاح بالمنظومة التشريعية الحالية" ورفع شرط الأمومة الذي اعتبر مجحفًا، خاصة في ظل تغير التوجهات الديمغرافية للأسر التونسية، التي أصبحت تميل إلى الاكتفاء بطفل أو طفلين، فضلا عن وضعية النساء غير المتزوجات أو اللواتي ليس لهن أطفال.

كما دعا بعض النواب إلى توسيع نطاق المشروع ليشمل النساء العاملات في القطاع العمومي، معتبرين أن الإجراء يساهم في دعم التماسك الأسري.

مخاوف من تداعيات اقتصادية واجتماعية

 

في المقابل، ترى الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات أن المشروع يعمق أزمة الصناديق الاجتماعية، معتبرة أن فتح باب التقاعد المبكر دون ضوابط مالية دقيقة قد يؤدي إلى استنزاف موارد الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتسريع وتيرة اختلال توازناته. 

 

واعتبرت الجمعية أن تحميل النساء كلفة الأزمة الاقتصادية أو البطالة، عبر تشجيع خروجهن المبكر من سوق الشغل، لا يمثل حلا فعليا، خصوصا في سياق تحولات عميقة يشهدها سوق العمل بفعل الرقمنة والتطور التكنولوجي، بل معضلة إضافية في ظل الأزمات التي تعيشها المؤسسات، حيث سيستعمل هذا الإجراء كوسيلة قانونية للتسريح دون تعويض حقيقي ودون خلق مواطن شغل جديدة ودون الاستفادة من الخبرات والتكوين.



التقاعد المبكر للمرأة في تونس ليس مجرد إجراء إداري، بل هو مرآة لوضع اقتصادي واجتماعي كامل. ففي بلد: تعمل فيه النساء أقل وتتعرض فيه لمسارات مهنية متقطعة وتواجه بطالة أعلى قد لا يكون الخروج المبكر من العمل دائمًا خيارًا حرًا، بل نتيجة مسار غير متكافئ منذ البداية. ويبقى التحدي الحقيقي: كيف يمكن تمكين المرأة من حق الاختيار… دون أن تتحمل وحدها كلفة هذا الاختيار؟  

 

اسكندر سكوحي



 

 

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة