5 ساعات يوميًا بلا أجر: كيف يقصي العمل المنزلي النساء التونسيات من سوق العمل؟
الميثاق/تونس
عند الخامسة صباحًا، تبدأ آمال (اسم مستعار) يومها قبل الجميع. تُعدّ الفطور، توقظ أطفالها، ترتّب المنزل، وتلحق بحافلة تقلّها إلى عملها الهش في ضيعة فلاحية. عند عودتها، لا ينتهي يومها، بل يبدأ “دوامها الثاني”: تنظيف، طبخ، رعاية.
تقول: “حتى كي نحب نخدم خدمة خير، ما نلقاش وقت… الدار والأولاد أولى”.
قصة آمال ليست استثناءً، بل تُجسّد واقع آلاف النساء في تونس، حيث لا يبدأ يوم العمل خارج المنزل، بل داخله.
أرقام تكشف.. العمل الخفي
وفقًا لتقرير مؤشر المؤسسات الاجتماعية والجندرية (SIGI 2023) الصادر عن OECD، تقضي النساء التونسيات في المعدل 5.3 ساعات يوميًا في الأعمال المنزلية والرعاية غير المدفوعة، مقابل 0.6 ساعة فقط للرجال، أي ما يزيد بأكثر من ثماني مرات، وهو ما يعكس اختلالًا حادًا في توزيع العمل داخل الأسرة.
هذا الفارق لا يعني فقط تفاوتًا في توزيع الوقت، بل يعكس وجود اقتصاد خفي قائم على عمل غير مدفوع تُنجزه النساء يوميًا.
بينما يغادر الرجال إلى وظائفهم، تبدأ النساء يوم عمل موازٍ داخل المنزل، لا يُحتسب في الناتج الاقتصادي، لكنه يحدد بشكل مباشر من يستطيع العمل خارجه… ومن لا يستطيع

لماذا تتحمل النساء العبء الأكبر؟
وراء هذه الأرقام تقف عوامل متشابكة، أولها الأعراف الاجتماعية، التي لا تزال تعتبر أعمال الرعاية “مسؤولية طبيعية” للنساء. هذا التصور يُحوّل العمل المنزلي إلى واجب غير قابل للتفاوض.
ثانيًا، غياب سياسات عمومية فعّالة تدعم تقاسم أعباء الرعاية، مثل محدودية دور الحضانة العمومية، وضعف خدمات النقل، وغياب تحفيزات لإجازة الأبوة.
كما تشير دراسات إلى أن حوالي 60% من وقت النساء يُستثمر في أعمال الرعاية غير المدفوعة، وهو ما يحدّ فعليًا من قدرتهن على الانخراط في سوق الشغل.
حين تفسّر الشهادات الأرقام
تقول سنية، وهي موظفة في القطاع الخاص:
“رفضت ترقية لأنها تتطلب وقتًا أطول… ما نجمش نخلّي صغاري وحدهم”.
أما فاطمة، وهي عاملة ريفية، فتقضي يومها بين الحقل والمنزل دون أجر ثابت:
“الخدمة في الدار ما تتعدّش خدمة… لكنها تتعب أكثر من كل شيء”.
هذه الشهادات لا تعكس فقط معاناة فردية، بل تُفسّر كيف تتحول الأرقام إلى واقع يومي:
اختيارات مهنية محدودة، فرص ضائعة، واستقلال اقتصادي مؤجل.
أين تقف السياسات العمومية؟
رغم إدراك هذا التفاوت، لا تزال السياسات العمومية في تونس محدودة التأثير في هذا المجال.
فخدمات الرعاية العمومية غير كافية، وإجازة الأبوة لا تزال محدودة، كما تغيب سياسات واضحة لتشجيع تقاسم الأدوار داخل الأسرة.
هذا الغياب يجعل من العمل غير المدفوع مشكلة خاصة بالنساء، بدل أن يكون قضية اجتماعية واقتصادية تتطلب تدخلًا هيكليًا.
تجارب دولية تُظهر أن تقليص الفجوة ممكن، عبر:
توسيع خدمات الحضانة العمومية
إقرار إجازة أبوة مدفوعة ومشجعة
دعم العمل المرن
إطلاق حملات لتغيير الصور النمطية
مثل هذه السياسات لا تدعم النساء فقط، بل تُعزز الاقتصاد ككل، عبر توسيع قاعدة المشاركة في سوق العمل.
اختيار.. أم نتيجة منظومة؟
بالنسبة لآمال، يبدو البقاء في عمل هش أو الانسحاب من سوق الشغل كخيار شخصي.
لكن الأرقام تقول شيئًا آخر.
ما يبدو “اختيارًا فرديًا”، هو في الحقيقة نتيجة منظومة كاملة تُحمّل النساء عبئًا غير متكافئ، وتُقصيهن تدريجيًا من فرص العمل والتقدم.
في تونس، تُشكّل الطالبات الأغلبية بين خرّيجي الجامعات (68 بالمائة)، كما ينخرط كلّ من الخريجات والخريجين في سوق العمل بأعداد متقاربة. ومع ذلك، وبمجرد دخولهم إلى سوق الشغل، لا يحظى الطرفان بنفس فرص الحصول على وظيفة. ففي سنة 2014، كان معدّل البطالة لدى النساء الحاصلات على شهادات جامعية أعلى بـ17 نقطة مئوية مقارنة بنظرائهن من الرجال.
يمكن تفسير هذه الفجوة الكبيرة والمحيّرة بين الجنسين في البطالة بعدة عوامل، وفق وثيقة بحثية أعدها البنك الدولي، تحت عنوان “تأثير التمييز من قبل أصحاب العمل على نتائج النساء في سوق العمل..أدلة تجريبية من تونس
من بينها التمييز في سوق العمل. إذ تفترض إحدى الفرضيات أن نسبة أكبر من النساء تعجز عن إيجاد عمل بسبب التمييز من قبل أصحاب العمل خلال عملية الانتداب

كما يُحتمل أن يؤدي هذا التمييز—سواء عند التوظيف، أو في الأجور، أو في فرص الترقية—إلى توجّه نسبة كبيرة من النساء نحو اختصاصات أو وظائف ذات فرص تشغيل أقل مقارنة بالرجال. وقد يعتقد بعض أصحاب العمل أن قدرات النساء أدنى بطبيعتها من قدرات الرجال، أو أن مسؤولياتهن الحالية أو المستقبلية داخل الأسرة، مثل رعاية الأطفال، قد تؤثر سلبًا على إنتاجيتهن مقارنة بالموظفين الذكور
إسكندر سكوحي