الجمعة، 06 فيفري 2026

أزمة الدواء في تونس...بين جذور الأزمة وخيار الترشيد مميز

28 أوت 2025 -- 20:30:00 12
  نشر في وطنية


تعيش تونس منذ سنوات أزمة متفاقمة في تزويد السوق بالأدوية الأساسية ما جعل المواطنين في بحث دائم ومستمر للحصول على أدويتهم، حيث يضطر كثيرون للتنقل بين الصيدليات أو الانتظار لفترات طويلة من أجل أن تُلبي المؤسسات الصحية العمومية ما يحتاجونه من علاجات.

 

هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات مالية وإدارية انعكست سلبا على منظومة الصحة العامة في البلاد، وفي محاولة للحد من آثار هذه الأزمة، أعلنت وزارة الصحة مؤخرًا عن سياسة ترشيد استهلاك الدواء، والتي تهدف إلى تنظيم صرف الوصفات الطبية وضمان توزيع الأدوية بشكل أكثر عدالة واستمرارية. لكن هذا الإعلان أثار جدلاً واسعًا، حيث تساءل المواطنون عبر صفحات التواصل الاجتماعي هل ترشيد الدواء يضمن استمرار حصولهم على العلاج أم يشكل تقييدًا غير مباشر لحقهم في العلاج؟



في هذا المقال، يرصد مسبار جذور أزمة نقص الأدوية في تونس، ويستعرض أسبابها، ثم يعود إلى دعوة وزارة الصحة إلى ترشيد الوصفات الطبية والتطرق إلى مدى نجاعتها في معالجة الأزمة الحالية وتأثيرها على صحة المواطنين.



جذور الأزمة: عجز مالي وصعوبات هيكلية

 

لم تكن أزمة 2025 الأولى من نوعها، فقد عرفت تونس سلسلة من الأزمات المتكررة، ففي عام 2018، تحدّثت تقارير صحفية وطبية عن فقدان عشرات الأصناف في الصيدليات والمستشفيات، وتجدّد الوضع عام 2023 حين صرّحت نقابة الصيادلة بوجود نقص يتراوح بين 250 و300 نوع دواء، ما شمل جميع الأصناف تقريبًا، من أدوية الالتهاب والمضادات الحيوية إلى أدوية القلب والشرايين.



غير أنّ عام 2018 مثّل نقطة تحوّل بارزة مع تراكم ديون الصيدلية المركزية، وهي المؤسسة العمومية المسؤولة عن توريد الأدوية وتوزيعها، هذه الديون حالت دون قدرتها على تسديد مستحقات المخابر الأجنبية، ما دفع بعضها إلى تعليق التزويد، في حين غادر بعضها الآخر السوق التونسية نهائيًا.

 

وقد أكّد وزير الصحة التونسي عماد الحمامي في تلك الفترة بوجود أزمة في مخازن الأدوية الحكومية ، مؤكّدًا أنّ الحكومة اتخذت إجراءات عاجلة لدعم الصيدلية المركزية وضمان التزاماتها تجاه مزوّديها، بما يسمح باستمرار توريد الأدوية وتزويد المستشفيات والصيدليات.

 

وأوضح الحمامي في تصريح للجزيرة نت  في 1 يوليو/تموز 2018، أنّ الدولة وفّرت سيولة تقدَّر بـ500 مليون دينار ما يعادل نحو 190 مليون دولار، إضافة إلى التزامها الاستثنائي بسداد مستحقات الصيدلية المركزية لدى المؤسسات الحكومية بمعدل 50 مليون دينار شهريًا.

 

 كما كشف الوزير التونسي الأسبق آنذاك عن برنامج لإعادة هيكلة قطاع الأدوية في مختلف مراحله من الصناعة إلى التوزيع، إلى جانب خطط لإصلاح منظومة الصناديق الاجتماعية.

 

 




وبحلول عام 2022، بلغت ديون الصيدلية المركزية حوالي 700 مليون دينار، وهو رقم يعكس حجم الأزمة المالية التي واجهتها الدولة في قطاع الدواء. وقد تسبّب ذلك في نقص متواصل للأدوية الحيوية والأساسية، خصوصًا مع رفض بعض الشركات العالمية التعامل مع السوق التونسية إلا بعد تسديد الديون القديمة.

 

وفي محاولة لتجاوز الأزمة آنذاك، عقدت وزارة المالية التونسية في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 جلسة عمل مع وزارة الصحة والصيدلية المركزية والصندوق الوطني للتأمين على المرض لمتابعة أزمة الأدوية في تونس. وتم خلالها الاتفاق على دعم الصيدلية المركزية ماليًا وتسوية ديونها، وإطلاق إصلاحات عاجلة تشمل ترخيص الترويج بالسوق وإحداث الوكالة الوطنية للأدوية.

 




رغم مُحاولات تجاوز الأزمات السابقة إلاّ أنّها تفاقمت في العام 2025 بتفاقم ديون الصيدلية المركزية التونسية حيث كشف الرئيس المدير العام شكري بن حمودة في تصريح للإذاعة الوطنية التونسية في مايو/أيار من العام نفسه، أنّ الديون المتخلدة بذمة المستشفيات والصناديق الاجتماعية تجاه الصيدلية المركزية بلغت نحو 1442 مليون دينار، في حين قُدرت ديون الصيدلية المركزية نفسها بحوالي 1300 مليون دينار.



وفي خطوة عكست عمق الصعوبات المالية، أعلنت الصيدلية المركزية في 18 يوليو/تموز 2025 عن تعديل أسعار 285 صنفًا من الأدوية المستوردة في محاولة للسيطرة على عجزها وضمان استمرارية التزويد، وهو ما يعكس مسار أزمة ممتدة منذ سنوات ولم تجد السلطات إلى اليوم حلولًا جذرية لها.



 




انعكاسات الأزمة على المرضى



الأكثر تضررًا من أزمة الدواء هم المرضى، خصوصًا أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة مثل السرطان وأمراض القلب والأمراض العصبية. فقد أدّى انقطاع الأدوية المنقذة للحياة إلى قصص مأساوية، كان أبرزها وفاة شاب مريض بالسرطان في صيف 2025 بعد أن رفض الصندوق الوطني للتأمين على المرض تمكينه من جرعة العلاج الكيميائي بسبب انقطاع الدواء.

 

وقبل وفاته بأيام، نشر الشاب مقطع فيديو تحدّث فيه عن معاناته مع البيروقراطية ورفض مطالباته المتكررة بالحصول على العلاج، ما أثار تعاطفًا واسعًا وجدلاً حول مسؤولية الدولة في ضمان الدواء.



 



إلى جانب هذه الحالات، واجه مرضى آخرون صعوبات في الحصول على أدوية الأعصاب وارتفاع ضغط الدم والسكري.




أثارت هذه الأزمة، إلى جانب حادثة وفاة شاب نتيجة نقص الأدوية، جدلًا واسعًا وحالة من الاحتقان في صفوف التونسيين، ومؤخرًا ظهرت على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عدة مجموعات خُصصت لمساعدة المواطنين في البحث عن الأدوية المفقودة ومحاولة العثور عليها في أماكن أخرى.

 

وتبادل أعضاء هذه المجموعات معلومات دقيقة حول أسماء بعض الأدوية المفقودة والصيدليات أو المناطق التي قد تتوفر فيها، كما تضمنت هذه الصفحات نداءات استغاثة للحصول على أدوية أخرى لم يتمكن مستحقوها من إيجادها في الأسواق، في محاولة لتأمينها للمرضى المحتاجين.

 

 





وزارة الصحة والجدل حول الترشيد

 

في 24 أغسطس 2025، أعلنت وزارة الصحة التونسية خطة وطنية لمواجهة النقص الظرفي في الأدوية، وذلك في اجتماع تحت إشراف وزير الصحة التونسي مصطفى الفرجاني. وشملت الخطة منصة إنذار مبكر بالصيدلية المركزية، إلزام المصنّعين بالإفصاح عن المخزون، التنسيق مع المخابر عند أي اضطراب، وحملة وطنية للتحسيس باستعمال الأدوية الجنيسة، داعية الأطباء والصيادلة إلى "ترشيد وصف الأدوية" والاقتصار على الحالات التي تستوجبها طبيًا.

 

 إلاّ أنّ البلاغ قوبل البلاغ بانتقادات واسعة اعتبرته محاولة للتضييق على المرضى، بل ذهب البعض إلى القول إنّه "حرمان مُمنهج من العلاج".

 

لكن الوزارة عادت يوم 27 آب/أغسطس لتوضّح أنّ الهدف من الترشيد هو ضمان استمرارية التزويد وتوزيع الأدوية بعدل، مشدّدة على أنّه لا يعني مطلقًا حرمان المرضى من حقهم في العلاج، موضحة أنّ البلاغ الأول أسيء تأويله وتوظيفه لغايات أخرى.

 

 

 

انتقادات وتساؤلات

 

أثار قرار وزارة الصحة التونسية بدعوة الأطباء والصيادلة إلى ترشيد وصفات الأدوية ردود فعل واسعة بين المواطنين، حيث انتقد عدد من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي القرار واعتبروا أنّ له تأثيرًا سلبيًا على صحتهم، خصوصاً مع محدودية توفر بعض الأدوية الحيوية مثل أدوية الأمراض المزمنة.

 

كما تبرز المخاوف من أن يؤدي ترشيد الوصفات إلى تقليل كمية الأدوية التي يحصل عليها المرضى، بما في ذلك أدوية الأعصاب وغيرها من العلاجات الضرورية، ما يدفع البعض أحيانًا إلى تقسيم الجرعات لتغطية احتياجاتهم، رغم أنّ ذلك قد يضعف فعالية العلاج.

 

كما اعتبرت تدوينات أخرى أنّ الأطباء بدورهم يواجهون تحديًا مزدوجًا بين تلبية احتياجات المرضى والالتزام بالتعليمات الجديدة.

 

 









ما المقصود بـ "ترشيد الوصفات الطبية"؟

 

أمام الجدل المتصاعد، حاول الأطباء توضيح المفهوم العلمي لـ"ترشيد الأدوية"،  ففي تصريح لـ"مسبار"، أوضح المختص في طبّ التخدير والإنعاش الدكتور ماهر العباسي أنّ مصطلح "ترشيد الأدوية" يندرج ضمن سياسات حوكمة النفقات في قطاع الصحّة، ويهدف بالأساس إلى الحدّ من الهدر في استهلاك الأدوية التي لا تفرضها الحالة الصحيّة للمريض. وأضاف أنّ الهدف من هذه السياسة ليس التضييق على المرضى أو حرمانهم من العلاج، بل ضمان أن تُصرف الأدوية عند الحاجة الفعلية فقط، بما يوفّر موارد المجموعة الوطنية ويُقلّل من الكلفة غير المبرّرة على المنظومة الصحيّة.



وأشار العباسي إلى أنّ منظمات وجمعيات صحية دولية ووطنية رصدت، خلال السنوات الماضية، معدلات مرتفعة من الوصفات الطبية غير الضرورية، حيث يُوصف الدواء أحيانًا رغم أنّ حالة المريض لا تستوجبه، وأبرز مثال على ذلك، وفق قوله، وصف المضادات الحيوية لعلاج نزلات البرد الفيروسية، في حين أنّ هذه الأخيرة لا تستجيب أساسًا لهذا النوع من الأدوية.

 

 

ماهر العباسي: "تونس ستعلن إفلاسها في 2021



وحذّر من أنّ الإفراط في وصف الأدوية لا يقتصر ضرره على الجانب المالي فحسب، بل قد يخلّف انعكاسات صحيّة خطيرة، لاسيما فيما يتعلّق بالمضادات الحيوية. إذ إنّ الاستعمال المفرط وغير المبرّر لهذه الأخيرة يساهم في تطوير مقاومة الجراثيم لها، ما يؤدي إلى فقدان جزء من نجاعتها ويُضعف فعالية الترسانة العلاجية المتاحة لمكافحة العدوى مستقبلاً، وأضح أنّ الترشيد لا يعني نقص الدواء، بل حسن استعماله وضمان توجيهه نحو من يحتاجه فعلًا.




ترشيد الأدوية لا يمسّ بحقّ المريض في العلاج



وفيما يتعلّق بتأثير سياسة ترشيد استهلاك الأدوية على صحة المرضى، شدّد الدكتور ماهر العباسي في تصريحه لـ"مسبار" على أنّ هذه الإجراءات "لا تؤثر إطلاقًا على صحة المريض، بل قد يكون لها انعكاس إيجابي"، مفسّرًا ذلك بأنّ أي دواء يمكن أن يخلّف مضاعفات جانبية، وبالتالي فإنّ صرف دواء غير ضروري قد يعرّض المريض لمضاعفات دون أن يجني أي فائدة علاجية، لافتا إلى أنّ من أبرز الأمثلة على ذلك ترشيد استعمال المضادات الحيوية، الذي من شأنه أن يحافظ على نجاعتها ويؤمّن فعاليتها في مواجهة الجراثيم مستقبلًا.



وأكّد العباسي أنّ الترشيد يعني بالأساس تفادي وصف الأدوية غير الضرورية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يمسّ الأدوية الحيوية أو العلاجية التي تفرضها حالة المريض، بغضّ النظر عن عمره أو وضعه الصحي، واعتبر أنّ مهنة الطب "مهنة إنسانية بالدرجة الأولى"، وبالتالي فإنّ التفكير في حرمان مريض من دواء ضروري حفاظًا على النفقات يُعدّ "خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه أو مجرّد التفكير فيه".




ترشيد استهلاك الأدوية...سياسة عالمية تدعمها منظمة الصحة العالمية



وفي حديثه لـ"مسبار"، أوضح الدكتور ماهر العباسي أنّ اعتماد سياسة ترشيد استهلاك الأدوية ليس خيارًا محلّيًا فقط، بل هو توجّه معمول به في العديد من الدول المتقدّمة والغنيّة، و أكّد أنّ منظمة الصحة العالمية تشدّد في تقاريرها على أهميّة هذه المقاربة، مبيّنًا أنّ ما يقارب نصف الوصفات الطبية في البلدان النامية لا تخضع لمعايير الترشيد، وهو ما يدفع المنظمة إلى تنظيم ندوات عديدة لحثّ الحكومات على إدراج هذه السياسة ضمن استراتيجياتها الصحيّة.



وأضاف العباسي أنّ من أكثر الدول التي تعتمد الترشيد بشكل واضح هي فرنسا، حيث تمكّن هذه السياسة من تحقيق مكاسب مالية تقدَّر بحوالي 200 مليون يورو سنويًا، إلى جانب ما توفّره من حماية لصحة المواطنين عبر تفادي صرف الأدوية غير الضرورية وما قد ينجرّ عنها من مضاعفات.



الترشيد آلية لتخفيض أسعار الأدوية ودعم البحث العلمي

 

في جانب آخر، أكّد العباسي أنّ الترشيد في استهلاك الأدوية يُعدّ خيارًا استراتيجيًا يساهم في خفض أسعارها على المدى الطويل عبر تقليص الاستهلاك غير الضروري، مشيرًا إلى أنّ الأموال الموفَّرة من هذه العملية يمكن إعادة استثمارها في البحث العلمي أو في تحسين البنية التحتية الصحية.

 

واعتبر أنّ نجاح الترشيد يمرّ أساسًا عبر تدريب الأطباء بانتظام على أحدث التوصيات العلمية لتفادي الوصفات المفرطة أو القديمة، فضلًا عن إدراج هذا المفهوم في مناهج كليات الطب والصيدلة، وقدّم في هذا السياق تجربة المستشفى العسكري بتونس مثالًا ناجحًا من خلال برنامج ترشيد المضادات الحيوية (AMS) الذي انطلق سنة 2015، وساهم في تقليص كميات المضادات الحيوية المستعملة والتحكم في مقاومة البكتيريا لها.




حلّ الأزمة

 

أشار الدكتور رفيق بوجدارية في تدوينة على فيسبوك إلى أنّ الأزمة ليست جديدة، إذ بدأت عام 2014، ثم عادت عام 2018، وتجددت منذ 2023، إلى أن تم الإعلان عنها رسميًا مؤخرًا من طرف وزير الصحة التونسي.



وأشار الدكتور رفيق بوجدارية إلى أنّ حلّ الأزمة يتطلب مقاربة شاملة وتعاونًا بين جميع الجهات، مع الشجاعة في طرح المشكلات، وثقة ورؤية واضحة، مبيّنا أنّ الإمكانيات البشرية والصناعية المتاحة في تونس قادرة على المساهمة في تجاوز الأزمة إذا توفرت هذه الشروط.



وفي السياق ذاته، أوضح بوجدارية في تصريح لـ"مسبار" أنّ الحلّ الأساسي يكمن في معالجة الأزمة المالية للصيدلية المركزية، حيث تنتج تونس نحو 60٪ فقط من الأدوية المستهلكة محليًا، مع وجود قاعدة صناعية تضم حوالي 70 منتجًا، لكنها لم تشهد تطورًا كبيرًا.

 

 وأشار إلى أنّ المواد الأولية لمعظم الأدوية تأتي من الخارج، خاصة من الصين والهند، فيما يشكّل 40٪ من الأدوية المستهلكة أدوية باهظة الثمن وحيوية، تشمل علاجات الأمراض المستجدة مثل بعض الأمراض العصبية. وأكد أنّ الصيدلية المركزية تعدّل أسعار هذه الأدوية لتكون في متناول المواطنين، كما تدعم سنويًا صندوق الدعم بمبلغ 200 ألف دينار لضمان قدرتهم على شرائها، رغم أنّ الأسعار ارتفعت بنسبة تقارب 60٪ في الفترة الأخيرة.



 






نقابة الصيادلة... توقع بانفراج الأزمة



وفي جانب آخر، أعلن الكاتب العام للنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة، محمد صالح كداشي، عن بوادر انفراج في أزمة اضطراب التزود ببعض الأدوية، متوقعًا تحسن الوضع تدريجيًا بدءًا من الأسبوع المقبل.

 

وفي تصريح لوكالة الأنباء الرسمية، أوضح في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء أنّ الأدوية المستوردة التي شهدت نقصًا خلال الفترة الماضية، من بينها أدوية للغدة الدرقية، الصرع، داء السكري، وبعض أدوية السرطان، ستعود إلى السوق تدريجيًا، رغم غياب النقابة عن الاجتماع الأخير لمرصد الدواء التابع لوزارة الصحة، والذي تم خلاله التوصل إلى هذه الحلول.



وأشار كداشي إلى أنّ أزمة الأدوية ليست طارئة، بل تعود جذورها إلى سنوات سابقة، وتحديدًا منذ 2014، نتيجة تراكم ديون الصناديق الاجتماعية تجاه الصيدلية المركزية، المستورد الوحيد للأدوية في البلاد، إلى جانب مشكلات السيولة المالية.

 

واعتبر أنّ الصندوق الوطني للتأمين على المرض يتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، بسبب تأخره في تسديد مستحقات الصيادلة، ما تسبب في صعوبات مالية طالت قرابة 2600 صيدلية خاصة، بعضها لم يتلق مستحقاته منذ أكثر من ستة أشهر.



ودعا كداشي رئاسة الحكومة التونسية إلى التدخل العاجل لتسوية المتخلدات المالية لدى الصندوق الوطني للتأمين على المرض مُلوّحًا بإمكانية تعليق العمل بالاتفاقية القطاعية في حال عدم التوصل إلى حلول عملية.

 

 




إجراءات حكوميّة

 

وفي السياق ذاته، أقّر مجلس وزاري مضيق في رئاسة الحكومة التونسية في 3 سبتمبر/أيلول 2025 إجراءات لتعزيز تمويل الصيدلية المركزية، وتكثيف الرقابة، وتسريع دراسة ملفات الأدوية غير المتوفرة لها بدائل جنيسة، إلى جانب إطلاق منصة رقمية لمراقبة توزيع الأدوية.

 

 كما دعا المجلس إلى مراجعة شاملة لمنظومة التأمين على المرض، وتحقيق تحول رقمي في إدارة القطاع الدوائي، مع التأكيد على دعم الصناعات الصيدلانية المحلية وضمان الأمن الدوائي.

 






تظل أزمة نقص الأدوية في تونس قضية معقدة تتقاطع فيها العوامل المالية والإنتاجية والاستهلاكية. وأكد المختصون في تصريحاتهم لمسبار أنّ سياسة ترشيد استهلاك الأدوية ليست تهديدًا لصحة المرضى ولا تعني حرمانهم من العلاج، بل تهدف إلى الحد من الهدر وضمان توجيه الأدوية إلى من يحتاجها فعليًا، مع الحفاظ على فعالية المضادات الحيوية والحد من المضاعفات الصحية غير الضرورية.



وأشاروا إلى أن تونس يمكنها تجاوز هذه الأزمة من خلال مقاربة شاملة تجمع بين إدارة مالية سليمة للصيدلية المركزية، ودعم القدرة الشرائية للمواطن، وتطوير الصناعة المحلية للأدوية، إلى جانب تعزيز الشفافية والتخطيط الاستراتيجي لضمان استمرارية التزويد بالأدوية الأساسية والجديدة على حد سواء، مع التأكيد دائمًا على أن ترشيد استهلاك الأدوية لا يمس بحق المريض في العلاج.



نبذة قصيرة

أثار بلاغ صادر عن وزارة الصحة التونسية في 24 آب/أغسطس2025، دعت فيه الأطباء إلى ترشيد استهلاك الوصفات الطبية، جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي،إذ اعتبر بعض النشطاء أنّ هذا القرار قد يشكّل تهديدا لحق المواطن في العلاج، خاصّة في ظلّ تسجيل نقص في بعض الأدوية الحساسة خلال الأشهر الأخيرة.

 

وأمام هذا الجدل، أصدرت الوزارة اليوم 27 آب/أغسطس 2025 بلاغل توضيحيًا،شددت فيه على أنّ الترشيد لا يعني مطلقًا حرمان المرضى من العلاج، بل يندرج ضمن مقاربة علمية تهدف إلى حسن استعمال الدواء وضمان استمرارية المخزون الوطني. فهل يشكّل ترشيد استهلا الأدوية تهديدا على صحة المرضى أو حقهم في الوصول إلى العلاج؟


تعيش تونس منذ سنوات أزمة متفاقمة في تزويد السوق بالأدوية الأساسية ما جعل المواطنين في بحث دائم ومستمر للحصول على أدويتهم، حيث يضطر كثيرون للتنقل بين الصيدليات أو الانتظار لفترات طويلة من أجل أن تُلبي المؤسسات الصحية العمومية ما يحتاجونه من علاجات.

 

هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات مالية وإدارية انعكست سلبا على منظومة الصحة العامة في البلاد، وفي محاولة للحد من آثار هذه الأزمة، أعلنت وزارة الصحة مؤخرًا عن سياسة ترشيد استهلاك الدواء، والتي تهدف إلى تنظيم صرف الوصفات الطبية وضمان توزيع الأدوية بشكل أكثر عدالة واستمرارية. لكن هذا الإعلان أثار جدلاً واسعًا، حيث تساءل المواطنون عبر صفحات التواصل الاجتماعي هل ترشيد الدواء يضمن استمرار حصولهم على العلاج أم يشكل تقييدًا غير مباشر لحقهم في العلاج؟



في هذا المقال، يرصد مسبار جذور أزمة نقص الأدوية في تونس، ويستعرض أسبابها، ثم يعود إلى دعوة وزارة الصحة إلى ترشيد الوصفات الطبية والتطرق إلى مدى نجاعتها في معالجة الأزمة الحالية وتأثيرها على صحة المواطنين.



جذور الأزمة: عجز مالي وصعوبات هيكلية

 

لم تكن أزمة 2025 الأولى من نوعها، فقد عرفت تونس سلسلة من الأزمات المتكررة، ففي عام 2018، تحدّثت تقارير صحفية وطبية عن فقدان عشرات الأصناف في الصيدليات والمستشفيات، وتجدّد الوضع عام 2023 حين صرّحت نقابة الصيادلة بوجود نقص يتراوح بين 250 و300 نوع دواء، ما شمل جميع الأصناف تقريبًا، من أدوية الالتهاب والمضادات الحيوية إلى أدوية القلب والشرايين.



غير أنّ عام 2018 مثّل نقطة تحوّل بارزة مع تراكم ديون الصيدلية المركزية، وهي المؤسسة العمومية المسؤولة عن توريد الأدوية وتوزيعها، هذه الديون حالت دون قدرتها على تسديد مستحقات المخابر الأجنبية، ما دفع بعضها إلى تعليق التزويد، في حين غادر بعضها الآخر السوق التونسية نهائيًا.

 

وقد أكّد وزير الصحة التونسي عماد الحمامي في تلك الفترة بوجود أزمة في مخازن الأدوية الحكومية ، مؤكّدًا أنّ الحكومة اتخذت إجراءات عاجلة لدعم الصيدلية المركزية وضمان التزاماتها تجاه مزوّديها، بما يسمح باستمرار توريد الأدوية وتزويد المستشفيات والصيدليات.

 

وأوضح الحمامي في تصريح للجزيرة نت  في 1 يوليو/تموز 2018، أنّ الدولة وفّرت سيولة تقدَّر بـ500 مليون دينار ما يعادل نحو 190 مليون دولار، إضافة إلى التزامها الاستثنائي بسداد مستحقات الصيدلية المركزية لدى المؤسسات الحكومية بمعدل 50 مليون دينار شهريًا.

 

 كما كشف الوزير التونسي الأسبق آنذاك عن برنامج لإعادة هيكلة قطاع الأدوية في مختلف مراحله من الصناعة إلى التوزيع، إلى جانب خطط لإصلاح منظومة الصناديق الاجتماعية.

 

 




وبحلول عام 2022، بلغت ديون الصيدلية المركزية حوالي 700 مليون دينار، وهو رقم يعكس حجم الأزمة المالية التي واجهتها الدولة في قطاع الدواء. وقد تسبّب ذلك في نقص متواصل للأدوية الحيوية والأساسية، خصوصًا مع رفض بعض الشركات العالمية التعامل مع السوق التونسية إلا بعد تسديد الديون القديمة.

 

وفي محاولة لتجاوز الأزمة آنذاك، عقدت وزارة المالية التونسية في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 جلسة عمل مع وزارة الصحة والصيدلية المركزية والصندوق الوطني للتأمين على المرض لمتابعة أزمة الأدوية في تونس. وتم خلالها الاتفاق على دعم الصيدلية المركزية ماليًا وتسوية ديونها، وإطلاق إصلاحات عاجلة تشمل ترخيص الترويج بالسوق وإحداث الوكالة الوطنية للأدوية.

 




رغم مُحاولات تجاوز الأزمات السابقة إلاّ أنّها تفاقمت في العام 2025 بتفاقم ديون الصيدلية المركزية التونسية حيث كشف الرئيس المدير العام شكري بن حمودة في تصريح للإذاعة الوطنية التونسية في مايو/أيار من العام نفسه، أنّ الديون المتخلدة بذمة المستشفيات والصناديق الاجتماعية تجاه الصيدلية المركزية بلغت نحو 1442 مليون دينار، في حين قُدرت ديون الصيدلية المركزية نفسها بحوالي 1300 مليون دينار.



وفي خطوة عكست عمق الصعوبات المالية، أعلنت الصيدلية المركزية في 18 يوليو/تموز 2025 عن تعديل أسعار 285 صنفًا من الأدوية المستوردة في محاولة للسيطرة على عجزها وضمان استمرارية التزويد، وهو ما يعكس مسار أزمة ممتدة منذ سنوات ولم تجد السلطات إلى اليوم حلولًا جذرية لها.



 




انعكاسات الأزمة على المرضى



الأكثر تضررًا من أزمة الدواء هم المرضى، خصوصًا أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة مثل السرطان وأمراض القلب والأمراض العصبية. فقد أدّى انقطاع الأدوية المنقذة للحياة إلى قصص مأساوية، كان أبرزها وفاة شاب مريض بالسرطان في صيف 2025 بعد أن رفض الصندوق الوطني للتأمين على المرض تمكينه من جرعة العلاج الكيميائي بسبب انقطاع الدواء.

 

وقبل وفاته بأيام، نشر الشاب مقطع فيديو تحدّث فيه عن معاناته مع البيروقراطية ورفض مطالباته المتكررة بالحصول على العلاج، ما أثار تعاطفًا واسعًا وجدلاً حول مسؤولية الدولة في ضمان الدواء.



 



إلى جانب هذه الحالات، واجه مرضى آخرون صعوبات في الحصول على أدوية الأعصاب وارتفاع ضغط الدم والسكري.




أثارت هذه الأزمة، إلى جانب حادثة وفاة شاب نتيجة نقص الأدوية، جدلًا واسعًا وحالة من الاحتقان في صفوف التونسيين، ومؤخرًا ظهرت على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عدة مجموعات خُصصت لمساعدة المواطنين في البحث عن الأدوية المفقودة ومحاولة العثور عليها في أماكن أخرى.

 

وتبادل أعضاء هذه المجموعات معلومات دقيقة حول أسماء بعض الأدوية المفقودة والصيدليات أو المناطق التي قد تتوفر فيها، كما تضمنت هذه الصفحات نداءات استغاثة للحصول على أدوية أخرى لم يتمكن مستحقوها من إيجادها في الأسواق، في محاولة لتأمينها للمرضى المحتاجين.

 

 





وزارة الصحة والجدل حول الترشيد

 

في 24 أغسطس 2025، أعلنت وزارة الصحة التونسية خطة وطنية لمواجهة النقص الظرفي في الأدوية، وذلك في اجتماع تحت إشراف وزير الصحة التونسي مصطفى الفرجاني. وشملت الخطة منصة إنذار مبكر بالصيدلية المركزية، إلزام المصنّعين بالإفصاح عن المخزون، التنسيق مع المخابر عند أي اضطراب، وحملة وطنية للتحسيس باستعمال الأدوية الجنيسة، داعية الأطباء والصيادلة إلى "ترشيد وصف الأدوية" والاقتصار على الحالات التي تستوجبها طبيًا.

 

 إلاّ أنّ البلاغ قوبل البلاغ بانتقادات واسعة اعتبرته محاولة للتضييق على المرضى، بل ذهب البعض إلى القول إنّه "حرمان مُمنهج من العلاج".

 

لكن الوزارة عادت يوم 27 آب/أغسطس لتوضّح أنّ الهدف من الترشيد هو ضمان استمرارية التزويد وتوزيع الأدوية بعدل، مشدّدة على أنّه لا يعني مطلقًا حرمان المرضى من حقهم في العلاج، موضحة أنّ البلاغ الأول أسيء تأويله وتوظيفه لغايات أخرى.

 

 

 

انتقادات وتساؤلات

 

أثار قرار وزارة الصحة التونسية بدعوة الأطباء والصيادلة إلى ترشيد وصفات الأدوية ردود فعل واسعة بين المواطنين، حيث انتقد عدد من النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي القرار واعتبروا أنّ له تأثيرًا سلبيًا على صحتهم، خصوصاً مع محدودية توفر بعض الأدوية الحيوية مثل أدوية الأمراض المزمنة.

 

كما تبرز المخاوف من أن يؤدي ترشيد الوصفات إلى تقليل كمية الأدوية التي يحصل عليها المرضى، بما في ذلك أدوية الأعصاب وغيرها من العلاجات الضرورية، ما يدفع البعض أحيانًا إلى تقسيم الجرعات لتغطية احتياجاتهم، رغم أنّ ذلك قد يضعف فعالية العلاج.

 

كما اعتبرت تدوينات أخرى أنّ الأطباء بدورهم يواجهون تحديًا مزدوجًا بين تلبية احتياجات المرضى والالتزام بالتعليمات الجديدة.

 

 









ما المقصود بـ "ترشيد الوصفات الطبية"؟

 

أمام الجدل المتصاعد، حاول الأطباء توضيح المفهوم العلمي لـ"ترشيد الأدوية"،  ففي تصريح لـ"مسبار"، أوضح المختص في طبّ التخدير والإنعاش الدكتور ماهر العباسي أنّ مصطلح "ترشيد الأدوية" يندرج ضمن سياسات حوكمة النفقات في قطاع الصحّة، ويهدف بالأساس إلى الحدّ من الهدر في استهلاك الأدوية التي لا تفرضها الحالة الصحيّة للمريض. وأضاف أنّ الهدف من هذه السياسة ليس التضييق على المرضى أو حرمانهم من العلاج، بل ضمان أن تُصرف الأدوية عند الحاجة الفعلية فقط، بما يوفّر موارد المجموعة الوطنية ويُقلّل من الكلفة غير المبرّرة على المنظومة الصحيّة.



وأشار العباسي إلى أنّ منظمات وجمعيات صحية دولية ووطنية رصدت، خلال السنوات الماضية، معدلات مرتفعة من الوصفات الطبية غير الضرورية، حيث يُوصف الدواء أحيانًا رغم أنّ حالة المريض لا تستوجبه، وأبرز مثال على ذلك، وفق قوله، وصف المضادات الحيوية لعلاج نزلات البرد الفيروسية، في حين أنّ هذه الأخيرة لا تستجيب أساسًا لهذا النوع من الأدوية.

 

 

ماهر العباسي: "تونس ستعلن إفلاسها في 2021



وحذّر من أنّ الإفراط في وصف الأدوية لا يقتصر ضرره على الجانب المالي فحسب، بل قد يخلّف انعكاسات صحيّة خطيرة، لاسيما فيما يتعلّق بالمضادات الحيوية. إذ إنّ الاستعمال المفرط وغير المبرّر لهذه الأخيرة يساهم في تطوير مقاومة الجراثيم لها، ما يؤدي إلى فقدان جزء من نجاعتها ويُضعف فعالية الترسانة العلاجية المتاحة لمكافحة العدوى مستقبلاً، وأضح أنّ الترشيد لا يعني نقص الدواء، بل حسن استعماله وضمان توجيهه نحو من يحتاجه فعلًا.




ترشيد الأدوية لا يمسّ بحقّ المريض في العلاج



وفيما يتعلّق بتأثير سياسة ترشيد استهلاك الأدوية على صحة المرضى، شدّد الدكتور ماهر العباسي في تصريحه لـ"مسبار" على أنّ هذه الإجراءات "لا تؤثر إطلاقًا على صحة المريض، بل قد يكون لها انعكاس إيجابي"، مفسّرًا ذلك بأنّ أي دواء يمكن أن يخلّف مضاعفات جانبية، وبالتالي فإنّ صرف دواء غير ضروري قد يعرّض المريض لمضاعفات دون أن يجني أي فائدة علاجية، لافتا إلى أنّ من أبرز الأمثلة على ذلك ترشيد استعمال المضادات الحيوية، الذي من شأنه أن يحافظ على نجاعتها ويؤمّن فعاليتها في مواجهة الجراثيم مستقبلًا.



وأكّد العباسي أنّ الترشيد يعني بالأساس تفادي وصف الأدوية غير الضرورية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يمسّ الأدوية الحيوية أو العلاجية التي تفرضها حالة المريض، بغضّ النظر عن عمره أو وضعه الصحي، واعتبر أنّ مهنة الطب "مهنة إنسانية بالدرجة الأولى"، وبالتالي فإنّ التفكير في حرمان مريض من دواء ضروري حفاظًا على النفقات يُعدّ "خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه أو مجرّد التفكير فيه".




ترشيد استهلاك الأدوية...سياسة عالمية تدعمها منظمة الصحة العالمية



وفي حديثه لـ"مسبار"، أوضح الدكتور ماهر العباسي أنّ اعتماد سياسة ترشيد استهلاك الأدوية ليس خيارًا محلّيًا فقط، بل هو توجّه معمول به في العديد من الدول المتقدّمة والغنيّة، و أكّد أنّ منظمة الصحة العالمية تشدّد في تقاريرها على أهميّة هذه المقاربة، مبيّنًا أنّ ما يقارب نصف الوصفات الطبية في البلدان النامية لا تخضع لمعايير الترشيد، وهو ما يدفع المنظمة إلى تنظيم ندوات عديدة لحثّ الحكومات على إدراج هذه السياسة ضمن استراتيجياتها الصحيّة.



وأضاف العباسي أنّ من أكثر الدول التي تعتمد الترشيد بشكل واضح هي فرنسا، حيث تمكّن هذه السياسة من تحقيق مكاسب مالية تقدَّر بحوالي 200 مليون يورو سنويًا، إلى جانب ما توفّره من حماية لصحة المواطنين عبر تفادي صرف الأدوية غير الضرورية وما قد ينجرّ عنها من مضاعفات.



الترشيد آلية لتخفيض أسعار الأدوية ودعم البحث العلمي

 

في جانب آخر، أكّد العباسي أنّ الترشيد في استهلاك الأدوية يُعدّ خيارًا استراتيجيًا يساهم في خفض أسعارها على المدى الطويل عبر تقليص الاستهلاك غير الضروري، مشيرًا إلى أنّ الأموال الموفَّرة من هذه العملية يمكن إعادة استثمارها في البحث العلمي أو في تحسين البنية التحتية الصحية.

 

واعتبر أنّ نجاح الترشيد يمرّ أساسًا عبر تدريب الأطباء بانتظام على أحدث التوصيات العلمية لتفادي الوصفات المفرطة أو القديمة، فضلًا عن إدراج هذا المفهوم في مناهج كليات الطب والصيدلة، وقدّم في هذا السياق تجربة المستشفى العسكري بتونس مثالًا ناجحًا من خلال برنامج ترشيد المضادات الحيوية (AMS) الذي انطلق سنة 2015، وساهم في تقليص كميات المضادات الحيوية المستعملة والتحكم في مقاومة البكتيريا لها.




حلّ الأزمة

 

أشار الدكتور رفيق بوجدارية في تدوينة على فيسبوك إلى أنّ الأزمة ليست جديدة، إذ بدأت عام 2014، ثم عادت عام 2018، وتجددت منذ 2023، إلى أن تم الإعلان عنها رسميًا مؤخرًا من طرف وزير الصحة التونسي.



وأشار الدكتور رفيق بوجدارية إلى أنّ حلّ الأزمة يتطلب مقاربة شاملة وتعاونًا بين جميع الجهات، مع الشجاعة في طرح المشكلات، وثقة ورؤية واضحة، مبيّنا أنّ الإمكانيات البشرية والصناعية المتاحة في تونس قادرة على المساهمة في تجاوز الأزمة إذا توفرت هذه الشروط.



وفي السياق ذاته، أوضح بوجدارية في تصريح لـ"مسبار" أنّ الحلّ الأساسي يكمن في معالجة الأزمة المالية للصيدلية المركزية، حيث تنتج تونس نحو 60٪ فقط من الأدوية المستهلكة محليًا، مع وجود قاعدة صناعية تضم حوالي 70 منتجًا، لكنها لم تشهد تطورًا كبيرًا.

 

 وأشار إلى أنّ المواد الأولية لمعظم الأدوية تأتي من الخارج، خاصة من الصين والهند، فيما يشكّل 40٪ من الأدوية المستهلكة أدوية باهظة الثمن وحيوية، تشمل علاجات الأمراض المستجدة مثل بعض الأمراض العصبية. وأكد أنّ الصيدلية المركزية تعدّل أسعار هذه الأدوية لتكون في متناول المواطنين، كما تدعم سنويًا صندوق الدعم بمبلغ 200 ألف دينار لضمان قدرتهم على شرائها، رغم أنّ الأسعار ارتفعت بنسبة تقارب 60٪ في الفترة الأخيرة.



 






نقابة الصيادلة... توقع بانفراج الأزمة



وفي جانب آخر، أعلن الكاتب العام للنقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة، محمد صالح كداشي، عن بوادر انفراج في أزمة اضطراب التزود ببعض الأدوية، متوقعًا تحسن الوضع تدريجيًا بدءًا من الأسبوع المقبل.

 

وفي تصريح لوكالة الأنباء الرسمية، أوضح في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء أنّ الأدوية المستوردة التي شهدت نقصًا خلال الفترة الماضية، من بينها أدوية للغدة الدرقية، الصرع، داء السكري، وبعض أدوية السرطان، ستعود إلى السوق تدريجيًا، رغم غياب النقابة عن الاجتماع الأخير لمرصد الدواء التابع لوزارة الصحة، والذي تم خلاله التوصل إلى هذه الحلول.



وأشار كداشي إلى أنّ أزمة الأدوية ليست طارئة، بل تعود جذورها إلى سنوات سابقة، وتحديدًا منذ 2014، نتيجة تراكم ديون الصناديق الاجتماعية تجاه الصيدلية المركزية، المستورد الوحيد للأدوية في البلاد، إلى جانب مشكلات السيولة المالية.

 

واعتبر أنّ الصندوق الوطني للتأمين على المرض يتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، بسبب تأخره في تسديد مستحقات الصيادلة، ما تسبب في صعوبات مالية طالت قرابة 2600 صيدلية خاصة، بعضها لم يتلق مستحقاته منذ أكثر من ستة أشهر.



ودعا كداشي رئاسة الحكومة التونسية إلى التدخل العاجل لتسوية المتخلدات المالية لدى الصندوق الوطني للتأمين على المرض مُلوّحًا بإمكانية تعليق العمل بالاتفاقية القطاعية في حال عدم التوصل إلى حلول عملية.

 

 




إجراءات حكوميّة

 

وفي السياق ذاته، أقّر مجلس وزاري مضيق في رئاسة الحكومة التونسية في 3 سبتمبر/أيلول 2025 إجراءات لتعزيز تمويل الصيدلية المركزية، وتكثيف الرقابة، وتسريع دراسة ملفات الأدوية غير المتوفرة لها بدائل جنيسة، إلى جانب إطلاق منصة رقمية لمراقبة توزيع الأدوية.

 

 كما دعا المجلس إلى مراجعة شاملة لمنظومة التأمين على المرض، وتحقيق تحول رقمي في إدارة القطاع الدوائي، مع التأكيد على دعم الصناعات الصيدلانية المحلية وضمان الأمن الدوائي.

 






تظل أزمة نقص الأدوية في تونس قضية معقدة تتقاطع فيها العوامل المالية والإنتاجية والاستهلاكية. وأكد المختصون في تصريحاتهم لمسبار أنّ سياسة ترشيد استهلاك الأدوية ليست تهديدًا لصحة المرضى ولا تعني حرمانهم من العلاج، بل تهدف إلى الحد من الهدر وضمان توجيه الأدوية إلى من يحتاجها فعليًا، مع الحفاظ على فعالية المضادات الحيوية والحد من المضاعفات الصحية غير الضرورية.



وأشاروا إلى أن تونس يمكنها تجاوز هذه الأزمة من خلال مقاربة شاملة تجمع بين إدارة مالية سليمة للصيدلية المركزية، ودعم القدرة الشرائية للمواطن، وتطوير الصناعة المحلية للأدوية، إلى جانب تعزيز الشفافية والتخطيط الاستراتيجي لضمان استمرارية التزويد بالأدوية الأساسية والجديدة على حد سواء، مع التأكيد دائمًا على أن ترشيد استهلاك الأدوية لا يمس بحق المريض في العلاج.



نبذة قصيرة

أثار بلاغ صادر عن وزارة الصحة التونسية في 24 آب/أغسطس2025، دعت فيه الأطباء إلى ترشيد استهلاك الوصفات الطبية، جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي،إذ اعتبر بعض النشطاء أنّ هذا القرار قد يشكّل تهديدا لحق المواطن في العلاج، خاصّة في ظلّ تسجيل نقص في بعض الأدوية الحساسة خلال الأشهر الأخيرة.

 

وأمام هذا الجدل، أصدرت الوزارة اليوم 27 آب/أغسطس 2025 بلاغل توضيحيًا،شددت فيه على أنّ الترشيد لا يعني مطلقًا حرمان المرضى من العلاج، بل يندرج ضمن مقاربة علمية تهدف إلى حسن استعمال الدواء وضمان استمرارية المخزون الوطني. فهل يشكّل ترشيد استهلا الأدوية تهديدا على صحة المرضى أو حقهم في الوصول إلى العلاج؟

آخر تعديل في الجمعة, 06 فيفري 2026 20:31

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة