الجمعة، 23 جانفي 2026

عملية ماجل بلعباس والتهديدات المحتملة على تونس.. تقرير إيطالي يحذّر من حرب استنزاف أمنية طويلة مميز

23 جانفي 2026 -- 12:33:03 57
  نشر في وطنية

الميثاق/تونس

أصدر موقع Report Difesa الإيطالي المتخصص في دراسات الأمن والدفاع تقريرًا تحليليًا حول العملية الأمنية الأخيرة في ماجل بلعباس غرب تونس، خلص فيه إلى أن مكافحة الإرهاب في البلاد تحوّلت إلى حرب استنزاف صامتة تُخاض بعيدًا عن الأضواء، في الجبال والصحارى وعلى الحدود، وهي حرب لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الدولة، وقوة الاقتصاد، والمصداقية السياسية.

وأشار التقرير إلى أن مقتل أربعة أشخاص يُشتبه في انتمائهم إلى خلية إرهابية قرب الحدود التونسية الجزائرية لا يمكن اعتباره حادثًا أمنيًا معزولًا، بل يعكس تحوّلًا عميقًا في طبيعة التهديد الجهادي داخل تونس، الذي بات اليوم أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطًا بالجغرافيا.

ووفقًا للتقرير، استهدفت السلطات التونسية مجموعة كانت متخفية في منطقة جبلية وغابية وعرة قرب ماجل بلعباس، وهي منطقة مثّلت خلال السنوات الماضية ملاذًا طبيعيًا لشبكات متشددة تستفيد من وعورة التضاريس، وهشاشة الحدود، والاختلالات الاجتماعية والاقتصادية المحلية.

وتكمن خطورة العملية، بحسب التقرير، ليس في نتائجها الأمنية فحسب، بل في سياقها الاجتماعي؛ إذ تشير مصادر محلية إلى أن المشتبه فيهم الأربعة ينتمون إلى العائلة نفسها، ما يدل على أن مسارات التطرّف لم تعد محصورة في تنظيمات هرمية تقليدية، بل أصبحت متجذّرة داخل شبكات عائلية ومجتمعية صغيرة يصعب رصدها وتفكيكها.

من الثورة إلى الجبهة الداخلية: تهديد متحوّل

استعرض التقرير مسار التهديد الإرهابي في تونس منذ عام 2011، مشيرًا إلى أن البلاد شهدت بعد سقوط نظام بن علي فترة من الاضطراب الأمني، وكانت من أبرز مصادر المقاتلين الأجانب المتجهين إلى سوريا والعراق، قبل أن تتعرض بين عامي 2015 و2016 لهجمات دامية استهدفت قطاع السياحة، أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.

ومنذ ذلك الحين، تغيّر شكل التهديد؛ إذ تراجعت العمليات الكبرى في المدن، مقابل تصاعد الضغط الأمني في المناطق الطرفية والحدودية. وبات الإرهاب أقل ظهورًا، لكنه لم يختفِ، بل أعاد التموضع في الجبال والصحارى ومسالك التهريب.

الجغرافيا كقدر: حدود طويلة ودول هشّة

يرى التقرير أن تونس تخوض حرب احتواء على عدة جبهات جغرافية معقّدة. ففي الغرب، تمتد الحدود مع الجزائر عبر مناطق جبلية صعبة السيطرة، بينما يمثّل الجنوب الليبي مصدر قلق دائم، بفعل انتشار السلاح والتهريب والميليشيات.

ويصف خبراء هذا التهديد بأنه جغرافي في جوهره، لا يقوم على انتشار أيديولوجي واسع، بل على الفراغات الأمنية وضعف حضور الدولة في بعض المناطق، حيث يتسلل الإرهاب كلما تراجعت السيطرة الفعلية.

التقييم الأمني والعسكري: الردع الاستباقي

يشير التقرير إلى أن تونس اعتمدت خلال السنوات الأخيرة استراتيجية وقائية دائمة تقوم على الدوريات المستمرة، والعمليات النوعية، وتعزيز الاستخبارات المحلية، والتعاون الدولي. ويُعد غياب الهجمات الكبرى منذ عام 2023 مؤشرًا على نجاعة هذا النهج، لكنه في الوقت ذاته يعكس انتقال التهديد إلى أنماط أكثر خفاءً وهدوءًا.

كما لفت التقرير إلى أن تعزيز القدرات البحرية ومراقبة السواحل، من خلال اقتناء زوارق دورية وأنظمة مراقبة حديثة، يعكس توسّع مفهوم الأمن ليشمل إلى جانب الإرهاب التهريب والجريمة المنظمة والاختراقات العابرة للحدود.

الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية

حذّر التقرير من أن الإرهاب لا يستهدف الأرواح فقط، بل يضرب الثقة الاقتصادية والاستثمارية، ويؤثر مباشرة في السياحة وسمعة البلاد دوليًا. وبالنسبة لتونس، فإن الاستقرار الأمني بات شرطًا للبقاء الاقتصادي.

وأشار إلى أن المساعدات والتجهيزات الأميركية وبرامج التدريب تمثل فرصة لتعزيز القدرات، لكنها في الوقت نفسه تخلق علاقة اعتماد أمني تُدرج تونس ضمن شبكة مصالح إقليمية ودولية.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، اعتبر التقرير أن تونس تتجه إلى لعب دور الدولة العازلة بين جزائر أكثر استقرارًا وليبيا لا تزال منقسمة، ما يجعلها نقطة ارتكاز للاستقرار في وسط المتوسط، وشريكًا أساسيًا لأوروبا والولايات المتحدة في مواجهة التهديدات الهجينة، من إرهاب وهجرة وتهريب.

الخلاصة: الأمن وحده لا يكفي

خلص التقرير إلى أن القبضة الأمنية وحدها لا تقضي على جذور الإرهاب، مؤكدًا أن غياب التنمية في المناطق الطرفية، وانسداد الآفاق أمام الشباب، وضعف التماسك الاجتماعي، كلها عوامل تُبقي الاستقرار هشًا.

وأضاف:

"أصبحت مكافحة الإرهاب حرب استنزاف تُخاض بعيدًا عن الأضواء، في الجبال والصحارى وعلى الحدود.

حرب لا تُكسب بالسلاح وحده، بل بالدولة، والاقتصاد، والمصداقية السياسية."



رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية – كارلو دي كريستوفوريس (Cestudec)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة