في مواجهة التهديدات المتزايدة للتغير المناخي، يخطو حوض البحر الأبيض المتوسط نحو مرحلة جديدة من العمل المناخي المشترك عبر إطلاق مبادرة "TeraMED"، وهي مبادرة إقليمية طموحة تهدف إلى إنتاج تيراواط كامل من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، في خطوة قد تعيد رسم مستقبل الطاقة والتنمية المستدامة في المنطقة.
وتأتي المبادرة في سياق الزخم الدولي الذي أطلقه مؤتمر المناخ (COP28) في دبي، حيث تعهدت دول العالم بمضاعفة قدرات الطاقة المتجددة ثلاث مرات قبل نهاية العقد الجاري. غير أن منطقة المتوسط، رغم ما تمتلكه من موارد هائلة للطاقة الشمسية والريحية، ما زالت بحاجة إلى رؤية إقليمية موحدة تترجم هذه الالتزامات إلى مشاريع ملموسة، وهو ما تسعى "TeraMED" إلى تحقيقه.
منصة متوسطية تجمع الجميع
تمثل المبادرة إحدى أبرز مخرجات "الحوار المتوسطي حول الطاقة المستدامة والمناخ"، الذي يعد أول إطار إقليمي يجمع الحكومات، والقطاع الخاص، والمؤسسات الأكاديمية، ومنظمات المجتمع المدني حول هدف مشترك يتمثل في بناء انتقال طاقي عادل وشامل.
وفي الجانب العربي، تتولى الشبكة العربية للبيئة والتنمية "رائد" تنسيق مشاركة منظمات المجتمع المدني في جنوب المتوسط، بما يضمن حضوراً فاعلاً للأصوات المحلية في رسم السياسات المستقبلية للطاقة والمناخ.
ويضم التحالف الداعم للمبادرة عدداً من المؤسسات الدولية والإقليمية البارزة، من بينها مؤسسة المناخ الأوروبية، والاتحاد من أجل المتوسط، والمركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، ومؤسسة الجزر الخضراء، إلى جانب مركز الأبحاث الإيطالي لتغير المناخ.
تونس في قلب الحراك المتوسطي
على المستوى الوطني، تبرز تونس كإحدى الساحات الرئيسية لتفعيل أهداف المبادرة. وتقود جمعية حماية البيئة والتنمية المستديمة ببنزرت، بالشراكة مع شبكة "رائد"، سلسلة من الأنشطة واللقاءات الوطنية والجهوية الهادفة إلى تحويل الرؤية الإقليمية إلى برامج عملية تستجيب لاحتياجات البلاد وتحدياتها الطاقية.
وتشكل الندوة الوطنية المنعقدة بالمعهد الوطني للبحوث الزراعية بتونس محطة مهمة لتبادل الخبرات وعرض الحلول المبتكرة وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين في قطاع الطاقة والمناخ.
محطات دولية لتعزيز الزخم
تسير حملة "TeraMED" وفق أجندة دولية مكثفة تهدف إلى حشد الدعم السياسي والمالي والإعلامي لتحقيق أهدافها، ومن أبرز هذه المحطات:
أسبوع نيويورك للمناخ، حيث سيتم تقديم المبادرة أمام صناع القرار على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
أسبوع القاهرة للطاقة المستدامة، الذي سيشهد الإعلان عن الرسائل الرئيسية للحملة وتوسيع شبكة الشركاء في المنطقة.
مؤتمر المناخ العالمي COP31 بتركيا، حيث ستخصص جلسات خاصة لعرض التقدم المحرز واستشراف فرص التعاون المستقبلية.
أكثر من طاقة.. مشروع تنموي متكامل
لا تقتصر رهانات المبادرة على خفض الانبعاثات الكربونية فحسب، بل تتجاوز ذلك نحو بناء نموذج تنموي جديد قائم على الاستدامة والعدالة الاجتماعية.
فنجاح مشروع "التيراواط الأخضر" من شأنه أن يعزز أمن الطاقة في المنطقة، ويقلص التبعية للوقود الأحفوري، ويفتح آفاقاً واسعة للاستثمار والابتكار، فضلاً عن توفير آلاف الوظائف الخضراء للشباب، ودعم سلاسل التوريد المحلية، وتعزيز التعاون الاقتصادي بين دول أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
دعوة للتحرك قبل فوات الأوان
وتؤكد الجهات المشرفة على المبادرة أن بلوغ هذا الهدف يتطلب التزاماً سياسياً واضحاً من حكومات المتوسط، عبر تبني أهداف وطنية أكثر طموحاً للطاقة المتجددة، وتطوير الأطر التشريعية والتنظيمية، وتحديث شبكات الكهرباء، وتوفير آليات تمويل مبتكرة قادرة على تسريع وتيرة التحول الطاقي.
وبينما تتزايد آثار الأزمة المناخية عاماً بعد عام، تطرح "TeraMED" رؤية عملية تجعل من حوض المتوسط مختبراً عالمياً للتحول

