بقلم محسن حسن
تعيش تونس اليوم مخاضاً تشريعياً وسياسياً حول ملف لزمات الطاقات المتجددة. وبينما ينصبّ النقاش البرلماني حول تفاصيل العقود، يرى الخبراء أن القضية تتجاوز مجرد توليد الكهرباء؛ إنها معركة إعادة تموقع تونس في الخارطة الاقتصادية العالمية الجديدة.
1. قراءة في الوضع الطاقي في تونس
لا يمكن فهم ضرورة الانفتاح على الاستثمار الأجنبي دون النظر إلى الأرقام التي تكبل المالية العمومية التونسية:
-عجز الميزان التجاري: يمثل العجز الطاقي اليوم أكثر من 58% من إجمالي العجز التجاري للبلاد وفق معطيات نهاية الثلاثي الأول من السنة الحالية، مما يؤدي إلى استنزاف مستمر لاحتياطيات العملة الصعبة.
-ثقل المديونية والمالية العمومية : تعتمد تونس بنسبة تقارب 95% على الغاز لإنتاج الكهرباء. أي ارتفاع طفيف في الأسعار العالمية يؤثر سلبا على ميزانية الدولة ويزيد من عجزها ، حيث ترتفع "نفقات الدعم" مقابل تراجع الاستثمار في التعليم والبنية التحتية.
-السيادة الطاقية: نسبة الاستقلالية الطاقية في تونس تراجعت لتستقر في حدود 36% في نهاية فيفري الفارط . الحقيقة الصادمة هي أن السيادة الوطنية مهددة فعلياً بـ "التبعية للمورد" أكثر من تهديدها بـ "هوية المستثمر".
2. الاستثمار الأجنبي المباشر : الرافعة التكنولوجية والمالية
إن اللجوء إلى الشركات الدولية في إطار اتفاقيات إنتاج الطاقة المستقل ليس خوصصة للمرفق العام، بل هو آلية لضمان استدامة الدولة، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية:
أ. التمويل دون إثقال المديونية
تسمح اللزمات بتعبئة استثمارات بمليارات الدينارات دون أن تضطر الدولة للاقتراض أو رفع حجم الدين العام. المستثمر الأجنبي هو من يتحمل مخاطر التمويل والتشغيل، بينما تكتفي الدولة (عبر الشركة الوطنية للكهرباء والغاز) بدور المشتري بأسعار تنافسية ومحددة مسبقاً.
ب. القدرة التنافسية وضريبة الكربون
بدأ الاتحاد الأوروبي في تطبيق آلية تعديل حدود الكربون. إذا لم تنتقل الصناعات التونسية (خاصة الفوسفاط والإسمنت والنسيج) إلى استخدام طاقة نظيفة، ستفقد قدرتها على التصدير بسبب الضرائب البيئية الأوروبية. الاستثمار الأجنبي السريع في الطاقات المتجددة يساعد على حماية الصادرات التونسية.
ج. نقل التكنولوجيا والشبكات الذكية
الانتقال الطاقي لا يعني فقط نصب ألواح شمسية، بل يتطلب تحديثاً جذرياً للشبكة الوطنية لتصبح "شبكة ذكية" قادرة على استيعاب الطاقات المتقطعة. الشركات الدولية تجلب معها براءات اختراع في تخزين الطاقة (البطاريات) التي تفتقر إليها السوق المحلية حالياً.
3. الضمانات السيادية: كيف نحول "اللزمات" إلى "شراكة ناجحة"؟
لكي لا يتحول الاستثمار الأجنبي إلى تبعية جديدة، يجب على الدولة التونسية فرض إطار تعاقدي صارم يرتكز على:
-المكونة الوطنية فرض نسبة إدماج للصناعات والخدمات التونسية في المشاريع الأجنبية لخلق مواطن شغل محلية ونقل الخبرة للمهندسين التونسيين.
-أمن الإمدادات: يجب أن تظل الدولة هي المنظم (Régulateur) وصاحبة القرار في توزيع الطاقة، مع ضمان أن العقود تحمي المستهلك من تقلبات أسعار الصرف.
-التصدير المشروط: ربط منح رخص الإنتاج الكبيرة بضمان تزويد السوق المحلية بأسعار تفضيلية قبل التفكير في تصدير الفائض نحو أوروبا (عبر مشاريع الربط الكهربائي).
الخاتمة: نحو "عقد طاقي" جديد
إن الانتقال الطاقي في تونس هو حتمية اقتصادية لا تحتمل التأجيل. السيادة الوطنية الحقيقية في عام 2026 وما بعدها تُقاس بمدى قدرة الدولة على توفير طاقة رخيصة، نظيفة، ومستدامة لمواطنيها ومؤسساتها.
إن الانفتاح الذكي على الاستثمار الأجنبي، المدعوم برقابة برلمانية شفافة وإطار قانوني صلب، هو المسار الوحيد لتحويل تونس من "مستورد للتبعية" إلى "مصدر للأمن الطاقي" في حوض المتوسط.

